سيد محمد طنطاوي
132
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهذه الجملة الكريمة تتضمن في ذاتها تهديدا شديدا لهؤلاء المجادلين بالباطل في شأن عيسى - عليه السّلام - ولكل من أعرض عن الحق الذي جاء به النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأن اللَّه - تعالى - ليس غافلا عن إفساد المفسدين ، وإنما يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت بأسلوب معجز حكيم جانبا من قصة آل عمران فحدثتنا عما كان من امرأته أم مريم ، وما قالته عندما حملت بها ، وما قالته بعد ولادتها ، وما أكرم اللَّه به مريم من رعايتها بالتربية الحسنة وبالرزق الحسن ، ثم ما كان من شأن زكريا وتضرعه إلى اللَّه أن يهبه الذرية الصالحة واستجابة اللَّه له وتبشيره بولادة يحيى ، ثم ما كان من شأن مريم وتبشيرها باصطفاء اللَّه لها وأمرها بالمداومة على طاعته ، ثم تبشيرها بعيسى وتعجبها لذلك والرد عليها بما يزيل هذا العجب ، ثم ما كان من شأن عيسى - عليه السّلام - وما وصفه به من صفات كريمة ، وما منحه من معجزات باهرة تشهد بصدقه في رسالته ، مما جعل الحواريين يؤمنون به ، أما الأكثرون من بني إسرائيل فقد كفروا به ودبروا له المكايد فأنجاه اللَّه من مكرهم ورفعه إليه وطهره منهم . ثم بين القرآن أن عيسى عبد اللَّه ورسوله ، وأن هذا هو الحق ، وقد تحدى الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كل من نازعه في ذلك بالمباهلة ولكن المجادلين نكصوا على أعقابهم ، فثبت صدق النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيما يبلغه عن ربه . وبذلك يكون القرآن قد بين الحق في شأن عيسى - عليه السّلام - بيانا يهدى القلوب ويقنع العقول ويحمل النفوس على التدبر والاعتبار ، وإخلاص العبادة اللَّه رب العالمين . ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء عاما إلى أهل الكتاب دعاهم فيه - في بضع آيات متوالية - إلى عبادة اللَّه وحده ، وإلى ترك المحاجة الباطلة في شأن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وإلى الإقلاع عن الكفر بآيات اللَّه وعن تلبيس الحق بالباطل ، وعن كتمان الحق مع علمهم بأنه حق . . استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه النداءات داعيا أهل الكتاب إلى كلمة الحق فيقول :